سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

324

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

أطواره ، فذهبوا إلى حد أن أنف كل قبيل من سلطة الآخر عليه علما بأنه لا بد أن يكون جائرا إذا حكم ولئن عدل فإن في قبول حكمه ذلا ، تحس به النفوس وينفعل له القلب . فلو زالت الضرورة لهذا النوع من العصبية ، تبع هو الضرورة في الزوال كما تبعها في الحدوث بلا ريب وتلجئ الضرورة للاعتماد على حاكم تتصاغر لديه القوى وتتضاءل لعظمته العظماء وتخض لسلطته النفوس بالطبع وتكون بالنسبة إليه متساوية الأقدام ، وهو مبدأ الكل وقهار السماوات والأرض ، ثم يكون القائم من قبله بتنفيذ أحكامه مساهما ومشاركا للكافة في الاستكانة والرضوخ لأحكام أحكم الحاكمين ، فإذا أذعنت الأنفس بوجود الحاكم الأعلى وأيقنت بمشاركة القائم على أحكامه لعامتهم في الرضوخ لما أمر به ، اطمأنت الأنفس في حفظ الحق ودفع الشر إلى صاحب هذه السلطة المقدسة واستغنت عن عصبية الجنس لعدم الحاجة إليها ، فيمحي أثرها من النفوس والحكم للَّه‌العلي الكبير . هذا هو السر في إعراض المسلمين على اختلاف أقطارهم عن اعتبار اجنسيات ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلامية فإن المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت ويعرض عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة وهي علاقة المعتقد ؛ لأن الدين الإسلامي لم تكن أصوله قاصرة على دعوة الخلق إلى الحق فقط وملاحظة أحوال النفوس من جهة كونها روحانية مطلوبة من هذا العالم الإدنى إلى عالم أعلى ، بل كما كانت كافلة لهذا ، جاءت وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد وبيان الحقوق كليها وجزئيها وتحديد السلطة الوازعة التي تقوم بتنفيذ المشورعات وإقامة الحدود وتعيين شروطها حتى لا يكون القابض على زمامها إلا من أشد الناس خضوعا لها ولن ينالها بوراثة ولا امتياز في جنس أو قبيلة أو قوة بدنية أو ثروة مالية وإنما ينالها بالوقوف عند أحكام الشريعة والقدرة على تنفيذها ورضاء الأمة . فيكون الوازع عند المسلمين في الحقيقة شريعتهم المقدسة الإلهية التي لا تميز بين جنس وجنس واجتماع آراء الأمة وليس للوازع أدنى امتياز عنهم إلا لكونه أحرصهم على حفظ الشريعة والدفع عنها . وكل فخار تكسبه الأنساب وكل امتياز تفيده الأحساب لم يجعل له الشارع أثرا في وقاية